الفيديو المحاضرات سؤال و جواب معرض الصور صوتيات المكتبة اتصل بنا الرئیسیة
  الأربعاء  4 ذوالقعدة  1439 - Wednes  18 Jul 2018
البحوث المنتخبة    
كتاب المتقين    
من أحدث الأسئلة    

س: اتّبع زوجي المسلك العرفاني، فصار متشدّداً معي، فما رأيكم ؟

س: لم أكن أعلم بوجوب الغسل عند الجنابة فما حكم صلاتي و صومي السابقة؟

س: هل ينبغي إقامة المجالس في الأيام الفاطمية ؟

س: ما حكم من كانت دراسته في السفر ؟

س: هل يجوز أن يهمل السالك عائلته بحجة مجالس الذكر واللقاء بالإخوان؟

س: إشكال على لزوم السير و السلوك

س: أشعر أن أجواء الجامعة تؤثر علي سلبا؛ فهل من الخطأ ان أكمل دراستي الجامعية ؟

موقع المتقين > العرفان والأخلاق والسلوك > العرفان الحقّ والعرفان الباطل


_______________________________________________________________

العرفان الحق
والعرفان الباطل

_______________________________________________________________

تحميل ملف البد دي أف تحميل ملف البد دي أف

بِسْمِ الله الرَحْمَنِ الرَحِيْمِ
الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِيْنَ
وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى المَبْعُوثِ إِلَى الخَلائِقِ أَجْمَعِيْنَ
وَآلِهِ الأوْصِيَاءِ المُنْتَجَبِيْنَ
وَلَعْنَةُ اللَهِ عَلَى أَعْدَائِهم مِنَ الأَوّلِينَ وَالآخِريْنَ إِلى يَوْمِ الدِّيْنِ

يقول أميرُ المؤمنينَ عليهِ السلام:
«وَأَنِرْ أَبْصَارَ قُلُوبِنَا بِضِيَاءِ نَظَرِهَا إِلَيْكَ حَتَّى تَخْرِقَ أَبْصَارُ القُلُوْبِ حُجُبَ النُّوْرِ فَتَصِلَ إِلَى مَعْدِنِ العَظَمَةِ، وَتَصِيْرَ أَرْوَاحُنَا مُعَلَّقَةً بِعِزِّ قُدْسِكَ»[1].
إنّ وصول السالك إلى هذه الدرجة من المعرفة... يطلقون عليه اسم «العرفان».[2]

    

الوصول إلى مراتب الكمال والعرفانِ حاجةٌ فطريّةٌ

إنّ الله المتعال من خلال إيداعه الصفاتِ القيّمةِ والغرائزِ المعنويَّةِ في فطرة الإنسان قد فتح له الطريق نحو بلوغ الحقيقة واتبّاع الحقّ ومنطق العقل في كلّ موطنٍ وحادثةٍ، وجعل في جِبِلّته وطبيعته التنقيب والبحث عن المعرفة والشعور بالانشداد نحو الكمال والعثور عليه والوصول إلى عالم القدس والسكينة والطمأنينة؛ فليس هناك أيّ مانع من الوساوس أو الوسائل المختلفة يمكنه أن يمنع العقل والفطرة من الانتصار والفوز ، ويسدّ عليه مسيره نحو المعرفة والتكامل، ويحرمه الفيوضات والألطاف الإلهيّة.
وإذا ما ابتليت النفس ـ بواسطة إلقاء الشبهات عليها ـ بالوسوسة وصار سيرها منحرفًا لبعض الوقت، فسيأتي اليوم الذي تستيقظ فيه من رقدتها وتفيق من غفلتها وذلك بواسطة النغمة الملكوتيّة للوجدان والفطرة؛ ليزيح عن وجهها الأستار الباعثة على الوسوسة، ولتطوي طريقها نحو الحقيقة والعرفان الإلهيّ بعين بصيرة وهِمّةٍ عاليةٍ وثباتٍ متينٍ. [3]

    

نقطة الهدف في العرفان الحق: معرفة اللـه والتجرّد عمّا سواه (موقع خوارق العادة)

إنّ مدرسة العرفان ـ الذي يعني المعرفة الحقيقيّة لذات الحقّ تعالى ـ لا تُعنى بسائر الأمور من الكرامات والأمور الخارقة للعادة والملفتة للانتباه، بل هي تبتني وترتكز فقط على انكشاف أسرار حقيقة الوجود، وذلك من خلال اتّباع شـريعة الإسلام والاقتداء بسنّة أهل بيت النبيّ صلّى الله عليه وآله ومنهجهم، أمّا المدارس والمناهج الأخرى فهي مشغولةٌ بخوارق العادات سواءً كانت من قبيل الإخبار بالغيب أم الاطلاع على النفوس أم كشف أسرار عالم المادّة والخواص المادّية للأشياء، أم تحصيل المال وحطام الدنيا والحصول على الكيمياء[4] وأمثاله، أم حتّى المعرفة الظاهريّة بإمام العصـر ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ وتعيين زمان ظهوره وتوجيه الناس في هذا الاتجاه، أم القيام بطيّ الأرض وسائر الأعمال الخارقة.
إنّ كبار العُرفاء وأهل التوحيد يَعدّون توجّه السالك إلى غير الله المتعال سببًا لخسرانه وهدرًا لرأسمال عمره وتبديلًا لجوهر الوصل النادر الوجود بالأحجار الرخيصة الحقيرة .[5]
إنّ الاهتمام بالمعنويّات والنزوع نحو حقائق عالم ما وراء المادّة والطبع، وإن كان حركة ممدوحة نحو القيم والكمالات الروحيّة والمعنويّة، ويكتسب من هذه الجهة أهمّية ودقّة خاصّين، لكن ينبغي الالتفات إلى أنّه كما يتوفّر الوجود الإنساني على مراتب مختلفة هي: المادّة والصورة والمعنى والتجرّد التام، فلا بدّ وأن يكون سيرُه التكامليّ وارتقاؤه نحو عالم المعنى متطابقًا مع هذا النحو من مراتب الوجود.
ولكن في هذا العصر يُعبّر عن أيّ مرتبة من المراتب الروحيّة والنفسيّة للإنسان بعالم المعنى والباطن والحقيقة؛ فمثلاً نرى أنّ الأفراد الذين يُخبرون عن الحوادث والظواهر المستقبليّة ـ طبعًا الصحيح منها ـ يُوصفون بنظر الناس والعوام بالأوصاف الملكوتيّة والكمالات التجرديّة فيَرون أنّ رُتبتهم تفوق المراتب البشريّة وأنّهم متميِّزون عن الآخرين. وكذلك نراهم يصفِّقون للذين يقومون بأفعالٍ غير عاديّةٍ؛ فهؤلاء بنظر العوام يمتلكون قدراتٍ فوق القدرات البشريّـة، وأنّهم حصَّلوا مرحلةً عاليةً من عوالم الوجود؛ ولكن في الوقت نفسه نرى أنّ كلّ تلك الأمور والأفعال الخارقة للعادة في نظر أهل الفنّ وأهل التوحيد وأصحاب الكمالات العالية لا تمثّل أيّ شيءٍ ذي قيمةٍ، وليست أكثر من لعبةٍ؛ لأنّ النفس تستطيع بواسطة الرياضات والمراقبات الخاصّة أن تصل بسهولة إلى مثل هذه الفِعليّات فتتّصل بمرتبة المثال من قبيل: المَنام الذي يراه النائم فتنكشف له فيه حوادثٌ مستقبليّةٌ معيّنةٌ؛ ويمكن في كثير من الأحيان بلوغ هذه المسائل وتحقّقها عن طريقٍ غير شرعيٍّ ومخالف لرضا الله. وكم هم الأفراد الكثيرون الذين لا يعتقدون بأيّة شـريعة من الشـرائع الإلهيّة، ومع ذلك فإنّهم استطاعوا أن يُكسِبوا نفوسهم مقدارًا معيّنًا من القوّة بواسطة القيام ببعض الرياضات والمجاهدات النفسانيّة، واستطاعوا بواسطة التسخير والسيطرة الإجماليّة على عالم المثال أنْ يجعلوا المادّة تحت تصرّفهم وانقيادهم.
إنّ الاطّلاع على بعض المغيَّبات، وإحضار الأشياء المخفيّة، والحركة بطريقةٍ غير معروفةٍ، والتصـرّف في الأذهان ونفوس العوام من الناس، والقيام بالأعمال غير العاديّة، هي من الأمور التي يُمكن أن تصدر من الملتزمين بالشرائع الإلهيّة، كما يمكن أن تصدر أيضًا من عُبّاد الأصنام وعُبّاد البقر وسائر الفِرق الضالّة، وممّن لديهم ارتباط مع الشياطين والجنّ والنفوس الخبيثة.
من هنا وبناءً على ذلك ينبغي التدقيق جيّدًا لمعرفة مراد ومقصود المدارس والمناهج الفكريّة المختلفة في العالم من دعوتهم الآخرين وحثّهم على التوجّه نحو الأمور المعنويّة وباطن الإنسان وعالم ما وراء الطبيعة، فما هو المراد وما هو الهدف المنشود وراء هذا المفهوم الجميل والكلام الآخذ بالقلوب؟ وما الذي يرومونه من ذلك؟ فهل يُعدّ مجرّد الوصول اليسير للإنسان إلى هذه الأمور فضيلةً؟ تلك الفضيلة التي لا تستمر جاذبيّتها ورونقها إلّا إلى ما قبل الموت، ولكنّها بعد أن تخرج الروح من البدن تصبح بأجمعها في يد الفناء والعدم، وتودع في بوتقة النسيان.
والنقطة التي تستدعي الدقّة ها هنا؛ هي أنّ النفس البشـريّة بشكلٍ عامٍ، وبسبب تعلّقها بعالم الطبع وابتعادها عن عوالم المعنى، لا تترك أيّ جهدٍ أو سعي يُمكّنها من تحصيل اللذّات والمشتهيات النفسانيّة؛ سواء تمكّنت من تحصليها عبر الأمور المادّية والدنيويّة ـ والتي هي أعمّ من أن تكون من جنس المأكل أو المشـرب أو الملبس أو المسكن أو المركب أو الرئاسة أو سائر هذه الأشياء ـ أم أمكنها تحصيل مشتهياتها بواسطة التلذّذ بالأمور المعنوية المتّصلة بدائرة الحواس الصوريّة والكائنة في بعض الأمور الغير العاديّة.
فمن باب المثال: إذا رَأى العوام فردًا يُمسك بأفعى بواسطة خُدعةٍ ما، فإنّك ترى الجميع يجتمعون حوله؛ ولكن إذا أراد أن يُبيّن حقيقةً من حقائق عالم الوجود والتوحيد لمدّة عشر دقائق فقط، فإنّنا لن نرى إلّا عددًا ضئيلًا من الأفراد مهتمّين بذلك، وأمّا الباقون فسيتركونه ويتفرّقون من حوله.
هذا المثال من أصغر وأدنى نماذج الأمور الخارقة للعادة، فكيف إذا وصل المقام إلى المسائل والحوادث الأرقى والأخّاذة التي تخطف القلوب، من الإخبار بالأمور الخافية، والتصـرّف في الأمور المادّية، وطيّ الأرض؟! إنّ كلّ هذه الأمور ترجع إلى الحواس البرزخيّة والمثاليّة للإنسان، والحقيقة أنّ البون بينها وبين العرفان والتوحيد وكشف الحُجب النفسانيّة ما بين الأرض والسماء!
ولذا نرى أنّ هذه الزُمرة من الأفراد تتمتّع بوجاهةٍ وقيمةٍ مميّزة بين الناس، وترى أوساطها مُحتضنةً لطبقات الناس على اختلافهم من العوام والمتعلّمين، بما يفوق أهل التوحيد والمعرفة، كما أنّ حضور خطاباتهم يحوز على جاذبيّةٍ أكبر عند العوام.

    

الطريق إلى معرفة اللـه: الاهتمام بظاهر الشريعة وباطنها معًا

ولمّا كان عرفان الحقّ في مدرسة الإسلام محالًا وممتنعًا بغير اتّباع تعاليم الشـريعة وطاعة أوامر النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم واجتناب نواهيه؛ لذا كان على السالك إلى الله أن يبذل ـ من أجل الوصول إلى تلك المرتبة ـ كامل سعيه وكلّ اهتمامه في رعاية موازين أحكام الشـرع المقدّس شعرةً بشعرةٍ، ولا يُقصّر مثقال ذرّةٍ عن أداء الفرائض والتكاليف المأثورة.[6]
إنّ عدم الالتفات إلى التكاليف الإلهيَّة وطيّ المسير بطريقة لا أباليّة... هو مجرّد تبرير للهوس والشهوات النفسانيّة في هذه الدنيا الدنيِّة؛ كما نُشاهده عند بعض الفِرق الصوفيَّة وغيرها؛ ومثيل ذلك يُرى حتّى في غير هذه الفِرق بدون هذا التبرير والتأويل، وكم هم كثيرون أولئك الذين هم من أهل العلم والدراية، والذين لم يقتصـر أثر عدم اعتنائهم بالتكاليف والوظائف على أنفسهم، بل أدّى إلى انحراف أولئك العوام وأوجدوا لديهم اليأس والنظرة السلبيّة تجاه المسائل المعنويّة والقِيم المتعالية للشـريعة الإلهيّة.
وفي مقابل هؤلاء هناك من وجّهوا كلّ همّتهم وهدفهم نحو ظاهر الأحكام والاهتمام بالقيام بالتكاليف من دون الالتفات إلى جهتها الباطنيّة، وهؤلاء أنكروا كلّ حقيقةٍ وواقعيةٍ وراء هذه التكاليف والوظائف، ولذا فقد سقطوا أيضًا في الاشتباه والغفلة سقوطًا مريعًا؛ إنّ مَثل التوجُّه نحو ظاهر الأحكام من غير ملاحظة حقيقتها وواقعيّتها ـ والتي تمثّل جهة العِليّة بالنسبة لها ـ يشبه أكل قشـرة الفاكهة مع إلقاء الفاكهة ولبّها بعيدًا ! فالذين يُنكرون أنّ الهدف الغائيّ والنتيجة المرجوّة من القيام بالأعمال والتكاليف الظاهريّة هي المعرفة الإلهيّة وعرفان الحقّ تعالى، وقنعوا أن تكون هذه الأعمال فقط وفقط لمجرّد إسقاط التكليف وبراءة الذمّة الظاهريّة، فسعوا وطلبوا المراتب الدنيّة من النِعم الإلهيّة في الجنّة، يجب عليهم أن يعلموا أنّهم خسـروا خسارةً فادحةً، واستعاضوا عن إكسير السعادة والفلاح الأبدي بزجاجاتٍ وبلّوراتٍ مقلّدةٍ غير أصليّةٍ ولا قيمة لها.
زاهـد از تـو حـور مى خـواهـد قصـورش بين
                             به جنت می گريزد از درت يا رب شعورش بين[7]
[يقول: الزاهد يريد منك الحور العين فانظر إلى قصوره! وهو يسـرع إلى الجنة تاركاً بابك يا رب فانظر كم هو شعوره!].
***
گدای كوى تو از هشت خلد مستغنيست
                             اسير بنـد تـو ازهـر دو عـالم آزاد اسـت[8]
[يقول: المستعطي في حيّك يا رب مستغن عن جنان الخلد الثمانية، والمقيّد بغلال حبّك حرّ في كلا العالمين].
***
فكر بهشـت وحوري وغلمان كجـا كنـد
                             دلداده عاشقى كه نگـارش برابر اسـت
[يقول: ماذا يفعل العاشق بالجنة والحور والغلمان؟ فما يُعطى قلبه أعلى منها بدرجات].

فكما أنّ عدم الاعتناء بالتكاليف الإلهيّة موجبٌ لسخط الله عزّ وجلّ وغضبه وإبعاده، وموجب للحرمان من الفيوضات المعنويّة، كذلك عدم الاعتناء بالحيثيّة المعنويّة والتكامليّة لأحكام الشـريعة ـ والتي هي العِرفان الحقيقي لحضرة الحق المتعال ـ موجبٌ لإهدار الاستعدادات وإهراق رأس مال الوجود الإنساني لتحصيل ونيل مراتب الفعليّة والكمال، وسيكون صرف رأس مال العمر ونعمة الحياة حينئذٍ بدون فائدة.
لذلك نرى أنّ الفطرة والوجدان يظلاّن في حالة من البحث والتحقيق عن عالم السكينة والاطمئنان والتكامل النفسي والعرفان الإلهي؛ فيشـرعان من خلال العقل الفطري والضمير المرتبط بعالم المعنى بالسير في مراتب المعرفة الشهوديّة والإحساس القلبي والوجداني لعالم الوجود، ويبدءان برفع كلّ ما يعيق سيرهما وتحييد جميع الموانع، وإبعاد كلّ الظواهر الصارفة عن التوجّه نحو المعنويّات وسحقها تحت الأقدام؛ سواءً الرفاهيّة الدنيويّة، أم التطوّر التكنولوجي، أم ترقّي العلوم الماديّة والاجتماعيّة، ويُعرضان كذلك عمّا تلوثّت به الأديان جميعًا من الخرافات والوساوس النفسانيّة والشيطانيّة بواسطة المدارس الإلحاديّة ومدارس الفكر الماديّ، وعمّا طرأ على الأديان الإلهيّة الأعمّ من اليهوديّة والنصـرانيّة والإسلام، وكذلك الأديان الغير الإلهيّة والتي أضاعت نفسها. [9]

    

دور التوسّل بأهل البيت في تحقيق المعرفة باللـه

يقول الأستاذ الفريد في السير والسلوك العملي؛ العارف الكامل والفقيه العالي المقام حضرة آية الحقّ السيّد علي القاضي الطباطبائيّ:
«من المحال أن يصل السالك إلى أيّ مقام دون الاستمداد من الذوات المقدّسة للمعصومين عليهم السلام وإذا ابتلي بخطأ في بداية المسير، فلا شكّ أنه سيهتدي إلى الطريق الصحيح والصراط المستقيم بمعونة أئمة الهدى وعنايتهم».[10]
[ولا يفوتنا التنبيه هنا على] أنّ ولاية المعصومين عليهم السلام نفس ولاية الله تعالى وعينها حقيقة وواقعًا؛ وبهذا اللحاظ، يكون نظر العارف إلى الإمام عليه السلام نظرًا آليًّا ومرآتيًّا لا أنّه نظر استقلاليّ... لأنّ الإمام عليه السلام ليس لديه شي‏ء من قبل ذاته‏.[11]

    

تحريف مصطلح العرفان في ثقافة الناس المعاصرة

وللأسف فإنّ اصطلاح العرفان والمعرفة يطلق في ثقافة العوام في هذا الزمان على هذه الزُمرة من الأفراد [ممن همّهم إبراز خوارق العادات]؛ فيُقال إنّ المعرفة والوصول إلى كُنه عالم الوجود مُنحصرٌ بهؤلاء، وإنّ العارف إذا ما أراد أنْ يترك له اسماً ورسماً وأنْ يجعل فَهم الناس يميل نحو حقيقة الوجود؛ فليس له إلّا إبراز بعضٍ من هذه الأمور.

    

كيفية تشويه البعض للوجه المشرق لعرفان العلاّمة الطهرانيّ

إنّ والدنا المرحوم العارف الكامل و السالك الواصل، العلاّمة الطهرانيّ ـ رضوان الله عليه ـ كان من جملة العُرفاء المعدودين الذين لم يُرَ منهم إظهارٌ وإبرازٌ لمثل خوارق العادات هذه إلّا بشكلٍ نادرٍ؛ وكان جُلُّ سعيه وهِمّته طِوال حياته أن يجعل توجّه تلامذته وعموم الأفراد مُنصبًّا على المعرفة الحقّة، وبلوغ أسرار عالم التوحيد والتجرّد والولاية. ولكن مع هذا كلّه، نرى أنّ الذين يريدون التعريف به أو تمجيد هذه الشخصيّة الاستثنائيّة أو يريدون إظهار عظمة هذا الرجل، لا يزالون مستمرّين بالثرثرة عن أمورٍ غير عاديّة صدرت في زمن حياته، ويقولون لولا صدور هذه الحوادث منه، لبقيت منزلتُه ومقامُه مخفيًّا حتّى الآن!
إنّ هذه الثقافة الخاطئة كانت وما زالت شائعةً في المجتمعات العِلميّة منها والعامّية منذ القِدم وإلى يومنا هذا.
بلى نحن نجد في بعض الموارد وبناءً للمصالح والمقتضيات أنّ العارف الإلهي يرَى بنفسه أنّ الصلاح يقتضـي إبراز مقدارٍ ضئيلٍ من خوارق العادات، تمامًا كما هو بالنسبة لمعجزات أنبياء الله حيث كانت مبنيّةً على هذا المبنى، إلّا أنّه لم يكن مقصد رسالة الرُسل والحُجج الإلهيين وغاياتهم بلوغ هذه النقطة وهذا الهدف.
ومن هنا فإنّ معيار التكامل ـ عند هؤلاء ـ وفعليّة المراتب الوجوديّة للعرفاء الإلهيّين، سيكون مرتبطًا بمقدار ظهور خوارق العادات وصدورها من الفرد.

    

قيمة خوارق العادات عند العلاّمة الطهرانيّ والعرفاء

لقد كان المرحوم العلاّمة الطهرانيّ ـ قدّس سرّه ـ يقول مرارًا:
«إنّ حظّ الفرد ونصيبه في المعرفة وإدراك عوالم التوحيد سيكون أقلّ؛ كلّما ظهرت منه هذه الأمور بشكلٍ أكبرٍ. وكلّما كانت السِعة الوجوديَّةُ للإنسان أكبر وكان مقدارُ تحقّق مراتب الأسماء الإلهيّة في وجوده أكثر فإنّ ظهور وبروز هذه الأمور منه سيكون أقل؛ ذلك لأنّ غاية أهل المعرفة والتوحيد هي عرفان حضـرة الحقّ وهذا الأمر المهمّ لن يحصل بهذه الأمور».
لذا فإنّ الأعاظم ولأجل سَوْق الناس نحو هذا الهدف العالي قلّما يُظهرون لهم هذه الأمور، حتّى لا تَأنس النفس ويَألف الذهن هذه المسائل؛ فتصبح أسيرةً لفخّ الحواسّ الباطنيّة والصور البرزخيّة.
أمّا الذين بقوا عاجزين عن معرفة الحقّ وإدراك توحيد الخالق تعالى وكانت أرجلهم مشلولةً وأيديهم قاصرةً عن الوصول إلى تلك الذروة العليا، فإنّهم لن يجدوا مناصًا من إبراز مثل هذه الأمور لديهم؛ لكي يجلبوا انتباه العوام لناحيتهم. وهذا هو الفرق بين منهج العرفان وسائر المناهج الأخرى، حتّى مع كونهم جميعًا متّجهين نحو عوالم ما وراء المادّة والطبع.[12]

    

سبب سوء الظنّ بالعرفاء

واللافت للنظر في هذا الشأن، هو أنّ انتساب جماعةٍ من أهل الدنيا إلى مدرسة العرفان صار سببًا لسوء ظنِّ كثيرين بأهل التوحيد والمعرفة، فقد قام هؤلاء بتغيير ملامحهم الظاهريّة وتعلّموا بعض المصطلحات من أهل العرفان، وتظاهروا بالزهد والانعزال عن الخلق، بل ربّما قاموا بترك الآداب الشـرعيّة ولم يراعوا التكاليف والأحكام الظاهريّة، فصاروا سببًا لتشاؤم سائر الناس من مدرسة العرفاء ومنهج أولياء الله.[13]


[1] ـ بحار الأنوار, ج 91، ص 98, باب 32: أدعية المناجاة, المناجاة الشعبانيّة.

[2] ـ [حريم القدس، ص 35]

[3] ـ [حريم القدس، ص 48]

[4] ـ [فنّ تحويل المعادن إلى ذهب]

[5] ـ [حريم القدس ص 83ـ 84].

[6] ـ [حريم القدس، ص 36]

[7] ـ منتخب من إحدى غزليّات فروغي بسطامي.

[8] ـ ديوان حافظ الشيرازي، ص 28.

[9] ـ [حريم القدس، ص 48ـ 51]

[10] ـ [حريم القدس، ص 82]

[11] ـ [ أسرار الملكوت، ج‏2، ص: 188؛ تأليف سماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ حفظه اللـه.]

[12] ـ [حريم القدس ص 42 ـ 47]

[13] ـ [حريم القدس ص 84]. ملاحظة: تمّ انتخاب هذه المقالة بشكل أساسي من مواضع مختلفة من كتاب (حريم القدس) لسماحة آية اللـه السيّد محمّد محسن الحسينيّ الطهرانيّ حفظه اللـه، وقد تمّت مقابلة المتن مع الأصل الفارسي، ووضعت له عناوين تتناسب مع السياق.

 
 

جميع الحقوق محفوظة لموقع «المتقين». يسمح بإستخدام المعلومات مع الإشارة الي مصدرها


Links | Login | SiteMap | ContactUs | Home
عربی فارسی انگلیسی